الجمعة، أبريل 16، 2010

مهدي عامل وهويتنا الفكرية

لماذا الهوية الفكرية؟

نعاني، في عصر اضمحلال اليسار في الوطن العربي، بالرغم من إشارات انتعاشه في أماكن كثيرة في العالم، من التباس المفاهيم والقيم والأهداف، وضبابية الجبهات الأكثر سخونة، أسأل كآخرين، أين يبدأ الحل؟ أو بطموح أقلّ، كيف يبدأ البحث عن حلّ؟

القناعة الراسخة بأن التحرّر من التبعيّة يؤدّي إلى حياة أفضل تقودني إلى البحث عن منهج عمل أكثر ارتباطاً بهذا المجتمع، بكليّته وبتفاصيله.

في مجتمع تابع، لاهث لتأكيد تبعيّته للمركز الباهر تبدو المهمّة بالغة الصعوبة. مجتمع اعتاد انتاج فكر لا يسعى إلا إلى إسقاط نظريات واردة من خارجه تأكيداً على تبعيّته وانبطاحه الكامل أمام المركز. التحرّر من هذه التبعية يصبح ممكناً إذا توافر الفكر القادر على فهم المجتمع والإضاءة على النقاط التي يمكن تنميتها من أجل دفعه إلى التطوّر والتحرّر، و الفكر القادر على تحديد الخطى الممكنة عملياً من أجل التقدّم وزرع أسباب الممانعة والمقاومة.

يأتي مهدي عامل جزءاً من حركة فكرية تحرّرية حاولت أن تغذّي بذور الفكر المادي في العالم العربي لتقدّم نموذجاً نظرياً وعملياً يمكن أن يتجذّر ويتعمّق في مجتمع تنخر هيكله الأحكام الغيبية والأحلام العقيمة والتبعيات الهدّامة.

اليوم، مَن يقرأ مهدي عامل فكراً وشعراً؟ يلحّ عليّ سؤال آخر، من قرأ مهدي عامل يوم كان يسير على وجه الأرض؟ يوم كان يلقي محاضراته في قاعات معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، القاعات التي كانت تغصّ بالطلاب المتلهفين لسماعه؟ من قرأ مهدي عامل من جيل الحرب ومن جيل ما بعد الحرب؟ قلّة ضئيلة دون شك. قد يكون مفيداً أن نسأل عن الأسباب وأن نسأل أين تكمن الفائدة حقّاً من قراءة مهدي عامل. لكنني لستُ في هذا الصدد ولستُ الشخص المناسب للإجابة عن هذا السؤال.

أسأل مَن مِن أبناء جيلي قرأ مهدي؟ أسأل ما هي هويّتنا الفكرية والسياسية نحن "أولاد اليوم"؟ ما هي مكوّنات ثقافتنا وكيف اكتسبناها؟ كيف تكون لنا هوية وقد تاهت ثقافتنا والتبست انتماءاتنا وبلغ الشك منّا مبلغ الشكّ في أوضح المسائل وأكثر الحقائق سطوعا. هل يمكن لمجتمع مُسِحت معالمه وسقطت أسباب مناعته أن يُنتج فكراً حُرّاً يهيّء السبيل لغدٍ أفضل؟ تبدو الصورة قاتمةً لاريب. لكن ما دام هذا المجتمع موجود فإن إمكانية تحرّره كامنة فيه بالضرورة، وتأكيد حضور ما تبقّى من ملامح هويّتننا وتطويرها يأتي بالضرورة في اتجاه انعتاقنا من التبعية.

أمرّ على إحدى مساهمات مهدي الكثيرة بوثائق حزبه، الحزب الشيوعي اللبناني، فألمس انتماءه إلى ذلك المشروع وانخراطه فيه انطلاقاً من مختلف المواقع التي كان فاعلاً فيها. مشروع مهدي تعرّض لقطع عنيف كما تعرّضت ثقافتنا، في مسيرة تطوّرها وتقدّمها، لعمليات قطع مشابهة متتالية ليست آخرها الحرب الأهلية. ما قام به مهدي كان استكمالاً لعملية فكرية بدأت قبله، نظر إلى بذور الفكر المادي في المجتمع العربي منذ ابن خلدون فحلّلها وحقّق فيها واستخلص منها ما يمكن أن يؤسّس لهوية فكرية عربية ماركسية. في رأيه "لاوجود لفكر ماركسي نظامي في الفكر العربي إلا فيما ندر"، لكنه موجود وحاضر في ممارسات الحركة الشيوعية العربية، فيما هو صحيح وغير صحيح في خطّها السياسي، وبإمكاننا استخراج هذا الفكر الماركسي إذا نظرنا نظرة نقدية إلى تلك الممارسات. غاص مهدي في جدالات فكرية وسياسية مع معاصريه، من إدوار سعيد حتى جوزيف سماحة، ربما بلهجة جامحة في بعض المواقع. لكنه سعى دائما إلى نظرية أصيلة تبتعد عن الاسقاطات السطحية، وإن لجأ دون مواربة إلى الاستعانة، والاقتباس في أحيان كثيرة، بنتاج فكر مجتمعاتٍ مختلفة عن المجتمع العربي، غير أنّه استعمل الأدوات المنهجية بوعي وإدراك عاليين لماهيّة الأداة وأساليب استعمالها، وبإدراك عميق لمجتمعه وظروفه وبنيويته.

هل يمكن أن ندرس مهدي بمعزل عن الحركة التي شكّل جزءاً منها، ونضعه في مختبر لنحلّله ونفهمه بعيداً عن العوامل الخارجية عنه والمؤثّرة فيه؟

دراسة مهدي عامل برأيي يجب أن تأتي في سياق دراسة كاملة للمشروع الذي قطعته الحرب الأهلية في لبنان بهدف البحث عن كيفية استئنافه أو إيجاد البدائل. هذه الدراسة تبدو لي من قبيل الاختصاص أو الثقافة المعمّقة لا في إطار الثقافة السياسية العامّة. معظم الشباب الذي يقرأ حسن حمدان إنّما يقرؤه تحت تأثير سحر الاسم وما يُروى عنه، قراءة معزولة عن الحركة الفكرية العامة التي كان حسن أحد أعمدتها، ومعزولة أيضاً عن ظروف تكوّنها.

حيث نقف، يبدو مهدي جزءاً من تاريخ بعيد، فيما هو ينتمي واقعياً إلى الجزء الأكثر نبضاً بالحياة من ثقافتنا وهويّتنا الفكرية والسياسية. أنظر إلى كلّ ما هو إيجابي اليوم على هذا الصعيد فأراه يعود إلى تلك الحقبة التي بدا خلالها الحلّ الاشتراكي حلاً ممكناً. يوم كان الاختلاف عن الرأسمالية ممكناً كانت الحلول البديلة غنىً ورحابة الفكر ضرورة في كل مجال، في الفن والأدب والعلم وحتى الأزياء. المسألة اليوم ليست في العودة إلى مهدي عامل، ولا في استخلاص الصائب من استنتاجاته، بل فهمه والنظر إليه كموضوع معرفيّ، تماماً كما نظر هو إلى مختلف المواضيع كالحرب الأهلية والتراث.

في عصر "الحريّات العامة" الآخذة بالتوسع جغرافياً(!) والصعود نوعياً(!) كما يؤكّد الإعلام المعاصر، أرى أن الحريّة باتت بحقّ حريّة الخيار الوحيد، وأصبح البحث عن بدائل واقعية تناسب المجتمعات، كُلاً بحسب خصوصيته يُسمّى انغلاقاً، والانفتاح لا يكون إلا بمسح وطمس معالم المجتمع وثقافته. والفكر لا ينجو من هذه الوحشية. يتملّكني استغراب وشعور بالانسلاخ عن تراث عربي إسلامي عريق في حرية الفكر والكلمة، ليس حرية من سطوة السلطة فحسب، بل حرية من الأحكام المسبقة السهلة، والمحرّمات السياسية والاجتماعية. في حقبات غابرة، برزت أسماء تنضح بالحرية كابن خلدون وابن رشد والمعرّي، وفي حقبة شديدة القرب مرّ آخرون كحسين مروّة وحسن حمدان، واليوم تملأ عالمنا أسماء حرّة لكن انجرافنا في تيّار النسخ الأعمى والاقتباس الغبي في مختلف أوجه الثقافة والحياة سدّ منافس الحرية ومجالات الأصالة الحقّة وأفرد المكان للانصياع.

بعد تغيّر جلّ الظروف التي عايشها مهدي والتي نظر إلى الواقع عبرها، وبعد التراجع الحادّ، المسمىّ انهياراً، انهيار المشروع، الأزمة لم تُحلّ، بل ازدادت توتّراً، والامبريالية ازدادت وحشية، والشعب العربي لم يثر، والعالم بالطبع لم يتحول إلى الشيوعية. لكن "التاريخ ليس أحداثا، وإن كانت الأحداث تملؤه، إنّه بنى وعلاقات بنيوية تتحرّك حاملة أحداثاً لا يمكن فهمها في حركة إلا بإرجاعها إلى سندها ذاك الذي هو تلك البنى أو العلاقات البنيوية". نهضة جديدة تبدأ بالعودة إلى تلك البنى وفهمها باستكمال الأدوات المعرفية، التي حمل مهدي همّ بنائها، عبر تعميقها والتدقيق فيها ومراجعة المقاربات في استعمالها.

قصائده قد تكون الأكثر تعبيراً عن الهواجس التي سكنته وأرّقته، وعن الانسان المسكون رقةً.

"بيروتُ/ والليل اختصار العمر في بيروت" 26/10/1982 – "فضاء النون"

"ويجيء الفكر كعادته/ ينقر باب الليل/ ويدخل/ يجلس في كرسيٍّ/ يتفقد أوراق الأمس/ -دَعِ الأشياء تقول الأشياء/ ولا تقحم ذاتك في مجرى العقلِ" 9/8/1981 –"فضاء النون"

حسن حمدان الشاعر، من قرأه؟ يوم كان على وجه الأرض أعتق نفسه من عبودية عالقة تسعى لحجب كلمته فأسمى نفسه "هلال بن زيتون" مرّة و"مهدي عامل" مراراً.

"حملتُ ظهري مئذنة/ خلتِ المساجدُ/ قد تداعى صوتها/ لم يبقَ إلا كاذبٌ يهدني/ أمّا الجموع/ فصوب القبلةِ الأخرى تُوَجِّه وجهها/ فلقد تعالى صوتها/ في الساحة الكبرى/ لا بدّ أن يهوي/ هذا الزمان الذي/ واقفاً يجري / أدركت بالعقل هذا/ لم أكن وحدي/ معي كان الرفاق/ لكنني/ في لوعتي مما رأيتُ/ بقيتُ وحدي أنتظرْ/ على ضفاف الحلمِ/ وحدي/ سوف أهوي

أيار 1973 – "تقاسيم على الزمن"

أمئذنة جموع من اغتاله؟ بل أيضاً مئذنة الجموع التي بكت لاستشهاده.

يا قارئه إليك نفسه فاستبحها، يا قارئه إليك نفسك فاستبحها. تُرك يستبيحه النسيان. هلال بن زيتون الذي حمل رأسه على كفّه منادياً ليأخذوه منه فسمع رجع الصدى "أدفنه في الصحراء لن يبقى منك سوى صوت/ وحفرةٍ في الشرق وحفرةٍ في الغرب"، يقبع على إحدى الرفوف في معرض الكتاب، وأقلّ من الذين يقرؤونه هم الذي يعلمون أن هلال بن زيتون من أسماء حسن الأخرى.

والسهم في عينيّ يمرّ/ أنا القتيلُ/ أعود أهوي/ مثلما كنتُ/ وأضمحلُّ/ وأنتفي/ ويعودُ ينغلقُ الزمانُ على الزمانِ حزيران 1973 – "تقاسيم على الزمن"

أين نجح مهدي عامل في نظريته ومقارباته وأين فشل؟ نحن بحاجة لإعادة قراءته مرّات عديدة، فتلك التجربة هي ماضينا الذي فيه يكمن حاضر بنانا الاجتماعية. ان القادر على متابعة المشروع الذي انخرط فيه مهدي هو القادر على تجاوز فهم شروط نمو المجتمع إلى فهم بنيوية هذا المجتمع ومعرفة نوع النمو الذي يحدث الآن في أعماق الحقبة التي نعيشها، وفهم وتحليل طابع ذاك النمو عبر استنباط منهجيات للتحّقيق العلميّ تسمح بالتقدّم في مختلف مجالات الفكر، لأن النمو الحاصل في أعماق اليوم يحمل شكل الغد، والهوية هي ما نحن عليه اليوم حقاً لا ما كنّا عليه في الأمس ولا ما يخيّل إلينا أننا سنكونه غداً.

الأربعاء، سبتمبر 23، 2009

ثقافة النسخ

صدف أن استمعتُ على الراديو إلى مقابلة مع أعضاء فرقة "راب" تُدعى "كتيبة خمسة". لاجئون فلسطينيون في لبنان مع كل ما في ذلك من صعوبات ومصائب. بضعة شبّان اتّخذوا من موسيقى الراب وسيلة للتعبير عمّا في صدورهم من رفض وثورة ووعي سياسي.

بثّ الراديو بعضاً من أغنياتهم أثناء المقابلة، يغنّون عن المخيّم وشوارعه وناسه بلهجة تُطوّع المفردات والتعابير الرائجة لتعطيها وقعاً شديد الشبه بوقع ما أسمعه من مفردات وتعابير أغاني الراب الغربية.

الفقر واحدٌ في العالم كلّه، والمأساة البشرية واحدة لا شك.

تسألهم المذيعة عن رأيهم بفرق الراب العربية المنتشرة في الغرب، يجيبون بأنها فرف برجوازية دخيلة على الراب، فهموم الشباب البرجوازي تختلف عن همومهم، وهم باعتقادي محقّون. لكن المذيعة تعطي مثالاً عن فرقة راب لبنانية في فرنسا اشتُهِرَت بأغنية “Pour Deux Soldats capturés” "من أجل جنديين أسيرين" ، أغنية عن أسر المقاومة للجنديين الإسرائيليين في عام 2006، والأغنية تمجّد العمل البطولي. يجيب أحد أعضاء فريقة "كتيبة 5" أن البعض يرفع شعارات "ليطلّع مصاري على ضهر غيرو". يحتجّ على أولئك الذين لم يعرفوا البلد يوماً وهم إلى ذلك يصرّون أن يقدّموا أنفسهم بصورة "ولاد البلد" للترويج.

الصدق أقول أنني لست من متابعي الراب العربي أو الغربي، غير أن أغنية الراب التي تتناول موضوع "طفّار" بعلبك-الهرمل على موقع " يو تيوب" قد أعجبتني.

ليست تلك المسألة.

الشبان في "كتيبة 5" وجدوا في الراب وسيلة مناسبة للتعبير عن أنفسهم ولعكس واقعهم، واقع مجتمعهم وأحواله، هنا المسألة.

قالب أو شكل موسيقي منسوخ من الشوارع والأحياء الفقيرة في الولايات المتّحدة الأميركية، شوارع وأحياء السود بالذات، أو "الأفارقة-الأميركيون" تجنّباً للعنصرية. كغيره من أنواع الموسيقة الغربية لاقى الراب رواجاً في العالم العربي. لكن الشكل أو القالب الموسيقي يعكس واقعاً اجتماعياً، أقصد أن الراب ،شكلا وضموناً، هو من انتاج المجتمع الذي نشأ فيه، وهو يعكس صورة هذا المجتمع في كلمات الأغنيات وفي ألحانها، جُمَلاً وتقاطيع ومفرادات موسيقية.

كيف ينشأ الاعتقاد لدى الشباب "أبناء القضية" التي يلتزمون بها في المخيّمات الفلسطينية أو في الشوارع والأحياء العربية أنّه يمكن لشكل موسيقي منسوخ بالكامل أن يعبّر عن مجتمع يختلف تماماً عن المجتمع الذي أنتج هذا الشكل الموسيقي؟

الموسيقى، كالفقر ربّما، لغة عالمية لا تعترف بحدود، لكن الموسيقى لا تنكر منشأها الاجتماعي والتاريخي والجغرافي بل تعكسه بإخلاص، مرّة ثانية كالفقر ربما.

"كتيبة 5"، ككثر غيرهم، يستسهلون النسخ والنقل لإيجاد إطار يعبّرون من خلاله عن نفسهم، ويسعون للتمايزعن غيرهم. تلك حال المجتمعات العقيمة، وإن كان العقم إلى حين، غير القادرة على إنتاج أُطُرها الخاصة الأصيلة للتعبير والانتاج.ننسخ الملابس والأبنية الفنون واللهجة والمظهر والإعلام وكل شيء، لمَ لا ننسخ الموسيقى؟

الموسيقى جزء من الكلّ المنسوخ.

ماذا لو كتب محمود درويش، مثلاً، شعره بالفرنسية؟ الأكيد أنّه حين تمّت ترجمة بعض قصائده إلى الفرنسية كان لا بدّ من إيجاد من يمكنه أن يلقيها بأكثر ما يمكن من الإخلاص للحرارة إلقاء محمود بالعربية، وهكذا كان.

بهذا المعنى أجد، على عكس رأي أعضاء "الكتيبة 5" أنّه من الأجدى أن تنشأ فرق الراب العربية في أميركا وأوروبا، وأن تجعل من القضية العربية الكبرى، القضية الفلسطينية والصراع العربي-الاسرائيلي موضوعاً لأغنياتها، وأن تقدّمها للمجتمعات هناك بشكل موسيقيّ هو ابن تلك المجتمعات. أقول أن ذلك أجدى بكثير من فرقة راب في بيروت أو ضاحيتها أو في بعلبك أو في المخيّم الفلسطيني أو في أيّ شارع عربي، حتى لو كان مغنّون الراب العرب في اوروبا و أميركا لم يطؤوا الأرض العربية يوماً، بل خاصةً إذا كانوا لم يطؤوها. فليغنّوا الراب حيث يستسيغه الناس الذين أنجبوه، ولنستمتع نحن بما شئنا منه أو من غيره، لكن لنبحث عن أشكال للتعبير والتأليف تكون من انتاجنا وتعبّر حقّاً عن ثقافتنا وحياتنا اليوم، ان كانت هجينة أم ممسوسة أم ملوّنة أم أصيلة أم عريقة، مهما كانت.

نتّجه مباشرة نحو استنفاد مخزوننا الثقافي ونستورد الثقافة التي انتجتها مجتمعات أخرى.

الاثنين، أغسطس 31، 2009

عند التقاطع

السير الدافق في شوارع بيروت يتسرّب من بعض المنافذ بين الأبنية المتلاصقة المختنقة بأدخنة الحياة المدينية. يجرفني الدفق على الرصيف. الواجهات الملساء لا توفّر ما يمكنني أن أتمسّك به. أدلف من إحدى زوايا التقاطع الغاصّ المتحشرج. يقف شرطيٌّ محاولاً بيأس بالغ تنظيم السير وتسهيله.
يمسك دفتر "الضبوطات"، شابٌّ في مطلع العشرينات من عمره، نحيلٌ إلى حدّ الهزل، محنيّ الكتفين. ألمح وجهه في فيء قبّعته، عيناه تشبهان جسده. يهزّ دفتر "الضبوطات" مهدّداً أي مخالف محتمل.
فيما يستمرّ السير سيّالاً يبدأ الشرطيّ بالدوارن حول نفسه، يجيل نظره بين السيارات المتحرّكة والمشاة، يذكّر الجمع ممن ضمّ الشارع بقدرته وسلطته العليا الناظمة متابعاً رقصته الساخرة.
يستدير نحو "الخط المتوقف"، عبر الزجاج الأماميّ للسيارة الأوروبيّة الواقفة على رأس الخط تبدو فتاة سمراء، شعرها مشدود إلى الوراء ببساطة واضحة، تجلس في سيّارتها، النوافذ مغلقة، معالم الملل بادية بوضوح في نظراتها الشازرة حتى لجدران الأبنية الواقفة.
يراها ممسكة المقود كأنّما لصورة ستُنشر في إحدى المجلات الطافحة بأخبار المجتمع الساعي إلى المخمل. تتحوّل رقصته إلى خطوات متراقصة، دفتر الضبوطات ما زال يهتزّ بيده. ينظر مباشرة في عينيّ الفتاة مقترباً من سيارتها. لا تحرّك ساكناً. يمرّ قرب السيارة دون أن يشيح نظراته الوقحة البلهاءعن رقبتها والفتحة العريضة التي تُظهر امتداد سمرة الصيف إلى صدرها. تتابعه بطرف عينيها مبدية لا مبالاة باردة . ينتظر منها استجابة ما ولو مسايرة لسلطتة. لا تريد منه سوى أن يفرج عن السير.

الجمعة، يوليو 31، 2009

Saint George Yacht Club - Beirut

This building is an architectural masterpiece, beside that, it's one of very few left collective memory symbols of Beirut and the whole middle east. Solidere must be really stopped.

الأحد، يوليو 26، 2009

نفذت البطاقات والمقاعد محجوزة

لا ريب في انتماء قاعة قصر الأونيسكو الكبرى في بيروت هذه الليلة. حيث زياد الرحباني لا التباس في الموقف ولا التباس في الاصرار ولا في التمسّك بالمبادئ. أمررائع. دخلت القاعة قبل موعد بدء الحفل بحوالي عشرين دقيقة، القاعة تغصّ بالناس، من الصعب أن تجد مقعدا، حتى شباب “التنظيم” يصعب عليهم الأمر.

عشرة مقاعد في وسط القاعة، مقاعد لا أحد يقعد فيها، “محجوزة” ترتفع الأصوات من كل الجهات فور اقترابي من تلك المقاعد! وصل البعض باكراً وحجزوا مقاعدا لأصدقائهم. أليس غريبا أن أولئك الذين يكنّون ذلك العشق لزياد غائرين في أسلوب “المقاعد المحجوزة”؟

يجد لي المنظّمون، بعد جهد واضح، مقعدا. جزيل الشكر. يدخل الموسيقيون، يبدأ التصفيق، يدخل زياد، يشتدّ التصفيق، تبدأ الموسيقى، تندثر في نفسي المقاعد، صرتُ شديد الانشغال.

الثلاثاء، أبريل 21، 2009

Beirut


Beirut
Originally uploaded by Tammouz
Most of them will be demolished, for no reason other than constructing high rise buildings. Shredding the urban tissue and deforming its aspect, making it totally similar to those stupid fungus cities spread all around the globe. Ironically, among the old buildings appearing in this photo, the only one being restored is owned by the same person who decided to demolish all the others.
The city is falling on the sky, everything seems to be upside down

الاثنين، أبريل 06، 2009

لو أفسحت الهواء لزرقة البحر لما انهارت المدينة على السماء

الثلاثاء، ديسمبر 16، 2008

أن تصوّر في بيروت

حين وصلت سيارة قوى الأمن وترجّل عناصرها بدا لي المشهد أشبه ما يكون بفيلم أميركيّ من النوع الرخيص، لكن حين وضعوا يديّ في الأغلال المعدنية ووضّبوني في السيارة الرباعية الدفع تحوّل المشهد إلى فعل رخيص. مع أن آلة التصوير في يدي لم تتوجّه إلى ما يمكن أن يكون تصويره خرقاً أو تهديداً للأمن، إلا أن الغيرة على أمن المجتمع المسيحي أوجبت على أولئك الغيارى توقيفي والتحقيق معي في محطّة الوقود التي يملكها أو يديرها غيورٌ منهم. هم في هذا إنّما يؤازرون أجهزة الدولة ومؤسّساتها وليسوا بأي شكل من الأشكال دولة داخل الدولة، هم وإن لجؤوا إلى القوّة ليستضيفوني في مكتب إدارة المحطّة، لم يلجؤا إلى استعمال السلاح، لا الناريّ منه ولا الأبيض، وهم إلى ذلك قد أظهروا أخلاقاً رفيعة حين سمحوا لي أن أتّصل بالأمن الداخليّ بعد تأكّدهم من جنسيّتي اللبنانيّة. لكن قوى الأمن الداخلي الذين استنجدتُ بهم قرروا توقيفي أنا، مع أنهم هم من قطعوا الطريق وخرقوا حقّي بتصوير الشارع.

هذا المشهد تحوّل إلى ظاهرة خارقة للطبيعة مع تفاصيل توقيفي في نظارة المخفر والتحقيق معي عن أصلي وفصلي والدوافع الكامنة وراء فعل التصوير والنوايا المبيّتة خلف أسباب اختيار هذا الشارع والالتباسات المريبة المحيطة بالحادث.

لست صحفياً، بل طالب هندسة معمارية في الجامعة اللبنانية، أجول شوارع البلد وزواريبه مصوّراً ناسه ومبانيه، وأرصد عفواً تفاوت ردّة فعل الناس تجاه التصوير في مختلف المناطق ومختلف الظروف السياسية والأمنية. أمّا التصوير في بيروت فأغرب ما فيه تشابه ردّة الفعل لدى مختلف الأطراف. في منطقة السوليدير كما في محيط مباني "المستقبل" عناصر شركات الأمن الخاصة سيمنعونك من تصوير إعلان على أحد الجدران، حتى لو كنتَ واقفاً على الرصيف، الملك العام، طبعاً، إذا عصيتَ أوامرهم سيطلبون مساعدة قوى الأمن الذين بدورهم سيطلبون منك، بكلّ حزم، الامتثال لأوامر عناصر الأمن الخاص. تتكرّر المسرحية الأمنية في كل الشوارع وإن تنوّع المانعون بين أصحاب محالّ تجارية، او شباب الحيّ، أو بعض الحيوانات الشاردة في شوارع العاصمة. للتصوير قرب أحد المباني الحكومية نكهة خاصة، إذ سيمنعك عناصر الأمن الداخلي مباشرة دون الحاجة للمرور في مرحلة الأمن الخاص أو الأمن الشعبي.

هل منع التصوير إجراء أمنيّ؟ هل منع التصوير يحمي وجوهاً لزعران حفظناها إن حليقة أو ملتحية؟ هل منع التصوير يخفي عن الكاميرا شيئاً لم تكشفه الأقمار الاصطناعية؟ هل منع التصوير يحافظ على أمن موقع عسكريّ أو مبنى رسميّ بادٍ للعيان وخاضع لذاكرة إرهابيّ يخطّط لهجوم ما؟

أشعر بجزل حين أنظر إلى بعض الصور التي التقطتها في ضاحية بيروت الجنوبية وفي بعلبك قبل أن تدمّرها الطائرات والبوارج الاسرائيلية خلال حرب تموز 2006 ، وأقسم أني لم أرسل صورةً لأي جهة اسرائيلية أو عدوّة أو صديقة، وأقسم أنّي لم أنشر شيئاً من تلك الصور على الانترنيت. منع التصوير لم يشفع بشخص تعرّض للاغتيال ولا ببناء تعرّض للقصف ولا سيارة تمّ تفجيرها. فيما أنا شارد بأفكاري هذه على رصيف الروشة، ألمح عصفوراً على شرفة أحد المباني، أوجّه آلة التصوير شطره فيخرج شبّان مغطّسون بالسواد من شبابيك سيّارتين عالقتين في زحمة السير "ما تصوّر .... سعادته، صوّر بعدما نمرق..." طبعاً طار العصفور قبل ما سعادته يزمط من العجقة بسبب الحفريات.

أشكر باري الكون الذي جعل الشمس تغيب ببطء خلف البحر ومكّنني من تصويرها بعد أن يمرّ كل الذين يخشون الذيول الأمنية للتصوير، وأشكر صيّادي السمك لتركيزهم على القصبة والطعم وانشغالهم عن الخطر المحدق بهم من آلة التصوير في يدي، وأشكر عناصر الأمن الخاص في مبنى "فردان 730" الذين نبّهوني إلى أن حقّي ينتهي عند حدود خصوصية المتسوّقين في ذلك المركز التجاري.



الأحد، سبتمبر 21، 2008

الملوك على دين ناسهم

تدغدغ مشاعر الناس، تلهب حماسهم، تعدهم بازدهار ورفاه، شعارات تُكسب مطلقيها ثقة الناس فيصلون إلى السلطة. حدٌّ سواء في أكثر الأنظمة ديمقراطية أوأشدّها ديكتاتورية، مهما اختلفت التعريفات وتشابكت وتناقضت. أمّا أن يبرد حماس الناس تجاه شعار لمجرّد أن من رفعه ليس من دينهم فتلك هي القضيّة.

يوم رأيت للمرّة الأولى على إحدى اللوحات الإعلانية في بيروت شعار "إلا رسول الله" أخذتني الحيرة، هل قصد من رفع هذا الشعار أنّه قبل كل ما لحق بالإسلام والمسلمين من عار وويلات وأن هذه المصيبة هي القشّة التي قسمت ظهر البعير؟ دعوة المسلمين ليهبّوا نُصرةً لرسول الله بدت لي استخفافاً بعقولهم، أو على الأقلّ استخفافاً بالمصائب التي تعمّ عوالمهم ودويلاتهم. سخيف دون شك أن يقتنعَ إنسانٌ ما أن كرامة شخص غيّر وجه العالم كما فعل الرسول الأكرم يُمكن أن تمسّها رسومات سخيفة كتلك التي أقامت الدنيا وأقعدتها.

أن ينفعل المسلمون، وأن يغضبوا بسبب تلك الصور أمرٌ يمكن فهمه، وأن يتحرّك العالم الإسلاميّ المعولم بسبب تصريحات بابا روما أمرٌ يمكن فهمه أيضاً، لكن ما يستعصي على العقل هو اعتبار تلك الصور أنّها الحدّ الأقصى لما يمكن أن يقبل به المسلمون فيما غزّة المحاصرة لا يغمرها إلا نور الآتين من بلدان تلك الصور. لكأنّي بالذي هبّ لنُصرة النبيّ قد وجد بعد إعياءٍ ما يوهم به الناس بغيرته على الإسلام والمسلمين بالرّغم من سكوته عمّا يلمّ بهم في مدنهم ومنازلهم.

هل تخلّى المسلمون عن أقصاهم وأقداسهم؟ لو أنّهم تخلّوا لرأيتَ دولهم تدخل في دين اسرائيل أفواجا، لكن كلّما تناسوا سيحمل البحر قوارب آتية من لارنكا إلى أن تسبح غزّة بأسرها إلى قبرص.لو حاولنا أن نحصيَ ما ألمّ بهذا العالم الإسلاميّ لذُهِلنا، أو أقول إنّي حاولتُ فذُهِلت. هذا العالم الإسلاميّ الذي تقسّم وتشرذم، لكن لم تقسم ظهر بعيره إلا رسومات بائسة تافهة، فنحر بعيره وأقام مأدبة أخيرة.

ثمّة شبح يتهدّد اليوم العالم الإسلاميّ، ومداراةً للواقع، أو اعترافاً به، أقول العالم الإسلاميّ النفطيّ، هو ليس شبح الشيوعية الذي عاد إلى عالم الأشباح بفضل الانفتاح ونشر الديمقراطية بالوسائل السلمية، وهو بالتأكيد ليس شبح الديمقراطية الصديقة التي وجدت صيغةً للتعايش مع الديكتاتوريّات النفطيّة دون أن تخفض سلاحها في وجه الديكتاتوريّات الشمولية غير النفطيّة. ليس هو شبح نفاد النفط، ولا شبح احتمالات انهيار البورصات ولا شبح تضخّم الأسواق العقارية. هذا الشبح ليس شبح الإرهاب الأصولي المشغول أصلاً بتهديد عوالم أخرى. ليس شبح التقسّم ولاشبح ضياع البلاد وفناء العباد. بالتأكيد ليس شبح اسرائيل الرازحة على صدور من أبَوا الخروج من خنادق المعركة إلى نعيم رحاب العولمة. الشبح الذي يتهدّد العالم الإسلاميّ النفطيّ اليوم هو شبح دخول إيران إلى النادي النوويّ. الحقّ، أعتقد أن أشباحاً كثيرة تتهدّد هذا العالم اليوم، كشبح مواجهة روسيا للدرع الصاروخيّ الأميركيّ و شبح شافيز الذي يصول ويجول في الباحة الكبرى لعالم منتجي النفط وشبح التقدميين الذي يحكمون السيطرة على الباحة الخلفية للولايات المتّحدة. شبح أوباما. شبح "حسن نصر الله". ميليشيا ترفض أن تكون مجرّد ميليشيا خاضعة للقرار الدولي، مع أنّي لم أسمع عن ميليشيا خضعت يوماً لقرار دوليّ. سلاحه الصاروخيّ المرعب ليس إلا أسهل شروره. أمّا تفاهماته التي قد بدأ بتوسيعها فتلك الطامّة الكبرى. أن يوقّع تفاهماً مع بعض أهل الذمّة من النصارى لأهون على النّفس من توقيع تفاهمٍ مع بعض أهل السنّة من السلفيين. يوم اندلعت التصريحات الشاجبة لهذا التفاهم تراءى لي على اللوحات الإعلانية شعار "إلا توقيع التفاهمات". تفاهم بين شيعي وسنيّ! ماذا بعد ذلك؟ أن نعود لأسطوانة "إسرائيل العدوّ الأكبر" و"فلسطين هي القضيّة المركزيّة"؟

يوم "أعلنُ قناة السويس شركة مساهمة مصرية" التهب العالم حماسة، ليس العالم العربيّ ولا العالم الإسلاميّ فحسب، بل العالم بأسره. يومها اختفت الأشباح وصار جمال هو المارد الأسمر الوحيد الذي يتهدّد العالم، لم تُرفع شعارات "إلا عبد الناصر"، "إلا بلاد المسلمين"، "إلا العروبة"... يومها لم تقدر عباءات النفط أن تزرع شكّاً في قلوب المسلمين ولا وهماً. لم يكن جمال شيوعياً ولا من أهل الذمّة، والأكيد أنّه لم يكن عميلاً شيعيّاً للفرس. أثار أفضل ما في الناس، أثار ما اختزنوه سنوات طوال، من المحيط إلى الخليج، بالرغم من السياسيات والتحالفات والخيانات والتعقيدات. صور البطل الأسمر اجتاحت كل المساحات تماماً كما اجتاحتها صور البطل الملتحي المعمّم بالأسود إثر نهاية حرب تمّوز. لكن عمامات أخرى كانت بالمرصاد وتراجعت الصورة بسرعة، صورة الرافضيّ المنتمي إلى المنشقّين عن طاعة الخلافة من السهل أن تتراجع أمام "صلابة الولاء". ما تبع حرب تمّوز من مشاحنات ومناورات وتكتّلات والجهود التي بُذِلت لصبغها كلّها بألوان فئوية تغطية لحقيقة الصراع السياسيّ خدّر الحماس الشعبيّ وأعاد اندفاع الدم الهمجيّ في العقول، عدنا إلى داخل ما تُرك لنا من تراب لم يُحتلّ ونسينا ما وراء الحدود. لم يكن تذكيرنا مرّة بأن "نصر الله" شيعيّ يتربّص بالسنة ليفرّقهم ويقضي عليهم كافياً، لكن الإعلام المعولم ثابر على تنبيهنا حتّى تنبّهنا. يكاد لا يُذكر اسم "حسن نصر الله" مرّة في الإعلام الغربيّ إلا متبوعاً أومسبوقاً، حسب أصول اللغة، بصفته الشيعيّة، مع أنّي لم أصادف مرّة اسم أسامة بن لادن مقروناً بصفته السنيّة أو السعوديّة، وواقع انتماءات الشخصين لا يخفى على أحد. ليس سرّاً أن نصر الله توسّل شيعيّته، بل استنفدها في عمله السياسيّ، وليس سرّاً أنّه جزء من واقعنا الطائفيّ الرديء. هو، ككلّ من يعمل، قد أخطأ دون شك، ناور معتمداً على طائفته وغامر برصيده في الطوائف الأخرى دون شكّ أيضاً. لكن ألم يناور مرّات أخرى معتمداً على رصيده في الطوائف الأخرى؟ ألم يغامر برصيده في طائفته؟ هو جازف بكلّ ما لديه، حتى ببقائه على قيد الحياة، وذلك طبعاً لا يجعله ملاكاً. البحث في شخصيّته يطول ويتعقّد وتختلف فيه الآراء، وأنا شخصيّاً لست معجباً لا بعباءته ولا بحركة يديه ولا بغرّته الظاهرة من تحت عمامته، ولا بانفعالاته حين يخطب ولا بنكاته التي يلقيها. ولست ثملاً بما حدث في البقاع ولا في بيروت ولا في الشمال ولا في الجبل ولا في أيّ بقعة حصل فيها ما حصل. حتّى أنّي لا أقبل عبارات كسر اليدين وقطع الرؤوس التي لجأ إليها غير مرّة في حديثه المدافع عن المقاومة الإسلامية. أنا لا أحاول أن أعطيَ الرجل حقّه، فعنده من القوّة ما يكفي ليعيد توزيع الحصص والحقوق فيما حقّي كمواطن وكعلمانيّ ما زال شريداً. أحاول أن أتجاوز، ولو بالوهمِ، واقع انقساماتنا، نحن اللبنانيّون أو نحن العرب أو نحن شعوب العالم العربيّ، نحن الذين سكنت الشياطين تفاصيلنا فتناسيناها إلى أن تمدّدت حركة استيطانها التوسّعيّة إلى جوهرنا.

ماذا لو كان من أهل السنّة؟ هو الذي لاقته عفوية الشارع الذي لم يطبّع ولم يتعولم، وتلقّفه من لم يفقدوا أملاً ومن عضّوا على جراحٍ قديمة أو حديثة حتى لو كان هو من سبّبها. ماذا لو كان من أهل السنة؟ بأيّ انتماء كانوا سيتّهمونه؟ أو في أيّ كهف كانوا سيختبئون من موج ناسه الذين على دينه؟ أما كان النفط سيبحث عن قمّة ليكسر حصار غزّة؟ أما كانت لتنصت تلك العمائم والجلابيب وتترك الأمر لأصحاب الأمر؟ أما كانوا على الأقلّ سيبحثون عن نصرٍ ما لينافسوه؟ أما كانت اللوحات الإعلانية ستعلن "النصر لأمّة الإسلام"؟ ماذا لو كان حسن نصر الله سنيّاً؟ هل كان ليُهاجَم لو وقّع تفاهماً مع الشيعة؟ ماذا لو أن حسن نصر الله السنيّ نال قسطاً من الدعم العسكريّ الإيرانيّ أو المساعدات السياسيّة أو اللوجستيّة السوريّة؟ ماذا لو نال دعم دولةٍ يكون أهل السنّةُ فيها على رأس السلطة؟ ماذا لو؟

لو كان سنيّاً لما اتُّهِمَ حلفاؤه بدم رفيق الحريري، لأسقط الحكومة السابقة في ساعة، ولدخل عسكره شوارع بيروت تحت الأرزّ والزغاريد. لو كان سنيّاً لارتعدت فرائص الأنظمة ولملأت أصوات الناس كل عوالمنا ودويلاتنا ولما قامت قائمة لمشاريع تطبيع أو توطين، لخشيَ العالم من أزمة نفطيّة، لوصلت المظاهرات إلى المراتب والعروش، لانعقدت القمم على مدار الساعة، لانتهت حرب تمّوز في ثلاثين دقيقة أو لأشرفت بيروت على القدس ويافا. لملأت "سنّيّته" كل الاحتمالات الحالمة المستحيلة، أو لربّما ابتدعوا هزيمة أكثر ابتكاراً يمنون بها الشعوب.

لو كان سنيّاً لما أُعفيَ من "سنّيّته" كما هو اليوم غير معفيّ من "شيعيّته". لما نجينا من هواء الطائفية الأصفر، لكن لو كان سنيّاً لخسر الكثيرون حجّة "شيعيّته" واضطرّوا للبحث عن حجّة أخرى. الحمد لله، في عالمي تتوفّر الحجج التافهة بسهولة فلا يضطرّ أحدٌ للبحث عن كذبة ذكيّة، الكذبات البلهاء قد صدّقناها قبل أن تُرمى.

بيروت 28-8-2008

شخصياً يوم الحقيقة

يطرقون الباب، يطالبون بآلة التصوير التي لمحوها تلتقط صور الشبان عن الشرفة فأثارت الحفيظة. أرفض الطلب بلطفٍ مستعدّاً لتحمّل العواقب، اكتشافهم أنّي من الطائفة المناسبة وانشغالهم بما هو "أعظم وأهمّ" أنساهم وجودي. في الساعات القادمة سوف ينسون أو يتجاهلون وجود أي إنسان. التصعيد، بانكشافاته الفاضحة، حوّل كلّ الشفاه إلى سفيهات. إن أحداً لن يتراجع أو يتردّد في زهق الأرواح، أحداً لن يتردّد في تخلّيه عن إنسانيّته.

ضجيج تلك الليلة كان أخرقاً، يندفع الهواء المضغوط مرّات ومرّات عبر الشارع صعوداً حتى النوافذ، وترتعش له أواني المطبخ طوال الليل. كان شبيهاً بمخاض الشرق الأوسط الجديد الذي لن يولد أبداً. أغرب ما فيه أنّه لم يحمل خوفاً، إذ بدا لي ارتفاع الطوابق العاقل فاصلاً كافياً عن تخبّط الشارع بجنونه، وعن التصريحات اللاسياسية الرعناء. ما يدور ليس سوى غفلة غاب فيها ادّعاؤنا المكابر، وبانت المسافة التي تفصلنا عن حقيقتنا صغيرة جدّاً. الكهرباء لم تنقطع، ولا التصريحات الكاذبة انقطعت.

العنف الدائر يتجاوز جغرافية البلد، الأطراف كلّها تدافع، لا مهاجم ولا معتدي، الكلّ يقصد الأفضل للوطن والكلّ يسعى لبناء الدولة حتى لو كان سعيه دماراً شاملاً. الكلّ يقرأ في التاريخ السياسي ويستشفّ المستقبل. دم الشبّان يندفع حارّاً في رؤوسهم فيغشي الأبصار. وحدي أتوه في ظلمة جهلي شارداً، أتلمّس الأسود الملتفّ بحثاً عن جدارٍ واقفٍ أستند إليه فتلتقي يداي بأيدٍ ممتدّةٍ وراحاتٍ مصافحة. النقّال يرنّ ويطمئنّ كلّ دقيقة.

كلّ أزيزٍ وانفجارٍ حمل انعتاقي من كلّ مداراة لمدّعي الثقافة في العمل السياسي واحتقاري لهكذا قادة. الأصوات الدافقة من الخارج توضح ملامح المجتمع الممتدّ من غياهب تاريخنا الحديث. جريمة واحدة تبيح في بلدي المذابح وكل الجرائم الأخرى. تلاشت أصوات المعركة في قصف الرعد، وتحت أمطار الفصل الأخيرة تلك الليلة، اغتسلت من كلّ تردّد في المواجهة.

موقع القرار كالعذراء المغتصبة، المزارع الميليشيوية والمشاريع المالية، أكلة الجيف تمزّق أحشاء الأحياء. استيلاؤهم على السلطة بعد الحرب الأهلية الأخيرة خراقة ارتكبها الشعب اللبناني، ارتكبتها أنا شخصياً دون شك، لكنّ في التجربة غنىً، ولقادم الأيّام نعتبر. لن أسمح للغد أن يحمل ما يجد في طريقه، لا تعايش أركن إليه ولا صيغ أثق بها، الغد سأرسمه بأدقّ تفاصيله، غداً سأصنع دولة. غداً سأعدّ لهم سجوناً لا تشبه السجون التي أعدّهوا لي، بل سجوناً ممرّاتها يغمرها ضوء الشمس، وألوان زاهية، وكتبٌ يقرؤونها فيعقلون وحدائق خضراء يزرعونها، فيها كلّ ما ليس في السجون التي بنوها لي، في السجون التي سأعدّها لهم كلّ ما ينسيهم رغبتهم في الخروج والسعي إلى السلطة.


بيروت 1 / حزيران / 2008

السابع من أيار

نهار السابع من أيّار بدأ في كورنيش المزرعة بتجمّع شبّان عند المفارق المؤدّية إلى الشارع الرئيسي، ثم إلقاء قنبلة صوتية على الذين كانوا قد تجمّعوا عند "زاوية غاليري شور"، تلك الزاوية التي ستشهد الكثير من أعمال العنف والتي سيرسل من عندها مراسلون مختلف القنوات تقاريرهم المصوّرة.

الخريطة بالكلمات هي كالآتي: كورنيش المزرعة خط التماس الفاصل بين منطقة "بربور" المعارضة ومنطقة "الطريق الجديدة" الموالية. شارع "بربور" الموازي لكورنيش المزرعة يتعامد عليه شارع ينحدر باتجاه كورنيش المزرعة، زاوية التقاء هذا الشارع بالكورنيش هي زاوية "غاليري شور". في الجهة المقابلة لهذا الشارع "بورة" تطل من ورائها أبنية "الطريق الجديدة"، ومنها أيضا يطلّ شباب تلك المنطقة يطلقون هتافات معادية للمعارضة وداعمة للحكومة، وقبالتها يرفعون صورة كبرى للسنيورة ضاحكاً ورافعاً يده للتحية. قبالة تلك "البورة" ملالة الجيش اللبناني وعدد كبير نسبيا من عناصره يحاولون الفصل بين الجهتين.

صباح السابع من أيّار كان متوتّراً بوضوح، حركة مناصري المعارضة وتجمّعهم، حركة الدراجات النارية الكثيفة، القنبلة الصوتية، طلات مناصري تيّار المستقبل، إطلاق الهتافات من الجهتين، يشحن الأجواء وصولا إلى التراشق بالحجارة التي ستسقط كلها على الجيش اللبناني لأن المسافة الفاصلة بين الطرفين أبعد من قدرة الأيادي والعضلات المفتولة على الرمي. الجيش اللبناني يطلق قنبلة غازية، يتفرّق الشبّان ويعيدون التجمّع خلف المباني التي تسترهم عن أنظار الجيش وأنظار الشبان في الطرف الآخر.

يتقدّم النهار ويتصاعد التوتر وصولا إلى ظهور المسلّحين.

التاسع من أيّار. بعد مرور نهارا كاملا على سيطرة المعارضة عسكريا على كامل مدينة بيروت، أجول في شوارع بيروت: بربور، كورنيش المزرعة، مار الياس، البطركية، الظريف، الصنائع، سبيرز، الحمرا، كاراكاس، المنارة، الروشة، عين التينة، وعودة إلى كورنيش المزرعة. في معظم الشوارع ينتشر الجيش اللبناني ومسلّحو المعارضة في وقت واحد، تفصل بين نقاطهما بضعة أمتار فقط. التصوير مسموح شرط عدم توجيه الكاميرا إلى عناصر الجيش وآلياته ولا إلى مسلحّي المعارضة. في مار الياس يشرح لي أحد الملثّمين كيف سينسى كل الشعب اللبناني ما حدث في بيروت عندما يلمس التحسينات المعيشية الكبرى التي ستؤمّنها المعارضة للكل دون تفرقة، فهو قد اضطر لتسكير محلّه ولا يريد البقاء في شوارع بيروت ملثّماً مسلّحاً كما يقول. الأمر إذن ليس فقط مسألة شبكة الاتصالات الشهيرة بالنسبة له، أمله حياة أفضل. في البطركية دورية راجلة من ثلاثة مسلّحين غير ملثّمين للمعارضة لا يجدون مانعاً من تصوير ظهورهم ويتابعون سيرهم. مشهدان تكرّرا في تلك الجولة، مشهد الطرقات المقطوعة بكل ما توفّر من ركام وحديد وحاويات ونفايات أُفرغت من تلك الحاويات، ومشهدي أُخرج بطاقة الهوية أسلمّها لمسلّحي المعارضة أو عناصر الأمن الداخلي وأجيب على أسئلتهم التي تحاول مواربة اكتشاف طائفتي أو تسألني عنها صراحة.

في التاسعة والنصف ليلا تنتهي جولة ساعتين ونصف في شوارع بيروت التي خلّت إلا من الأمن والمعارضة ومنّي.

لا نكون شعباً إلا واحداً

بيروت في 18/1/2007

النبطية، بُعيد انتهاء العدوان الاسرائيلي عام 1996، استضافت لقاء "انتظارات الشباب" تحت عنوان "ظاهرة التضامن مع الجنوب" في كلية العلوم المواجهة لأحد المواقع العسكرية الاسرائيلية. كانت تلك مشاركتي الأولى في "انتظارات الشباب". يومها وقف حسين ضاهر معترضاً على عنوان اللقاء، فالظاهرة، في رأيه، هي أمر مستغرب أو نادر الحدوث، كأن تولد هرّة بجناحين، أو أن يتنحّى عشرة ملوك عن عروشهم في نهار واحد أو في سنة واحدة. والتضامن يكون بين طرفين منفصلين أو شعبين مختلفين، إذ يمكن للشعب الكوبي مثلاً أن يتضامن مع الشعب اللبناني، أو يتضامن الشعب اللبناني مع الشعب الموزمبيقي. لكن كيف يتضامن أهالي الشمال والشرق والغرب مع أهل الجنوب وهم شعب واحد؟ يومها اعترض حسين ضاهر على العنوان دون أن يقترح بديلاً عنه، بل اكتفى بالتمنّي لو أن العنوان كان مختلفاً، لكنّه كان متأكّداً أننا شعبٌ واحد. شاب آخر تمنّى لو يبقى الجنوب تحت العدوان الإسرائيلي كي تبقى قضيته حاضرة في العقل اللبناني العام ووجدانه، وليس فقط في الذاكرة والخطابات الحماسية.

بعد أكثر من عشر سنوات من التاريخ المُعاد والمُعاش بتكرار إلى حد الملل والفضيحة واليأس والهجرة والأسئلة المستحيلة والإجابات المستعصية، وضياع الذاكرة والهوية معاً ، نجتمع بدون صدفة، بل في سلسلة طويلة من اللقاءات والمؤتمرات الشبابية بحثاً عن الوطن واقتناعاً بضرورة وإمكانية بل حتمية التغيير.

أحاول أن أساعد حسين ضاهر في إيجاد الكلمات والمفردات، ربّما كان التماسك الشعبي هو ما يصف الذي حصل عام 1996 وتكرّر عام 2006 وإن كان هذا التكرار قد حصل بحماس أقل وبشكّ أكبر بكثير. أحداث ومشاهد تكرّرت على طول الذاكرة الشعبية وعلى امتداد مساحة الوطن: الاتهامات، الاغتيالات، الحكومات، الحوارات، الوساطات، الأزمات، الديون، التحالفات، المحاور، الضرائب، الهجرة، البطالة، الاعتصامات، المظاهرات، المواجهات، النيران على المتظاهرين، الخوف من الفراغات الدستورية، حتى بتنا نخشى الفراغ الدستوري كما كانوا يعتقدون في العصور المظلمة أن الطبيعة تخشى الفراغ. مشاهد أخرى تكرّرت: الأضواء، المهرجانات، الاحتفالات، الآمال، الاندفاع، لكن أكثر ما تكرّر هو محاولات الصمود غير اليائسة على كل الأصعدة والجبهات. هل هذا التكرار المشترك يجعل منّا شعباً واحداً؟

شعبٌ واحدٌ، أي متفاهم ومتناسق ومتكامل، يعمل من أجل دولة واحدة ومستقبل واثق واضح المعالم. شعبٌ واحدٌ لديه مناعةٌ ضد عوامل التفكك والانهيار، هو شعبٌ لا بدّ ان يلتقي على أسسٍ واقعية وعملية. يعيش في دولة تتقدّم بالدرجة الأولى وفق خطة اقتصادية انمائية، تؤمّن مصالح أبناء هذا الشعب وتضمن صلابته أمام الأزمات التي قد تعترضه، خاصّة في منطقة كثيرة القلاقل والنزاعات كالشرق الأوسط. فاحشو الثراء والمدقعون في الفقر كما العاطلون عن العمل لا يكونون شعباً واحداً ، لا في لبنان ولا في أي بقعة من العالم. من يموتون فلا يجدون من يدفنهم ومن يُدفنون في صخب وهرج ومرج، لا يمكن أن يكونوا أبناء شعب واحد. ليسوا أبناء شعب واحد من تستخدمهم المحاور على اختلافها، ومن يناضلون لتحقيق الاستقلال والحرية والديمقراطية. لكن ليس ما يمنع هؤلاء وأولئك من العيش على أرض واحدة في ظلّ دستور جامع وقوانين عادلة ودولة واحدة. لذا نحاول جاهدين، كغيرنا من شعوب العالم، أن نكون شعباً واحداً في هذه الدولة. نحاول ذلك عبر البحث عن نظام سياسي نتقبّله لما فيه من العوامل الجامعة لنا كجماعة بشرية تسعى لأن تكون شعباً. فماذا يعترض بحثنا عن ذلك النظام السياسي؟

لا يمكن أن نتفق على نظام لا يجمعنا إلا كأبناء طوائف مختلفة. نظامٌ يدفعنا إلى البطالة والهجرة. لن أصدّق أنّهم يختلفون على نظام سياسي هم فيه حكّامٌ يصادرون قرارنا باسم التمثيل والتوازن، ويجنون ثمار عملنا وبطالتنا وهجرتنا واقتتالنا. نحن شعب واحد أمام أبواب السفارات، وشعب واحد في الساحات والاعتصامات وإن اختلفت الأهداف. وهم شعب واحد فوق الكراسي، في الاختلاس وإثارة النعرات وجني الثروات الخيالية ، وانتهاز الفرص وإن تضاربت المصالح.

من جمعهم تاريخ مشترك، كانوا شعباً واحداً، لكن سوف يكونون شعباً واحداً أولئك من سوف يجمعهم مستقبل مشترك.

"كيف نكون شعباً واحداً؟" ضرورة الوجود في "نكون" تسبق استحقاق الشعب الواحد. أن "نكون" تفترض ضمناً ألا "نفنى" فلا نكون. بين الملايين المتظاهرة في كل مناسة، أكثرية ضامنة لبقائنا. لكن هل بين البعض الحاكم أوالساعي الى الحكم، ولو أقليّة، ترى وطناً في قيام الدولة الحديثة؟

كيف نكون شعباً واحداً؟!

خيار وحيد: لا نكون شعباً إلا واحداً