الأربعاء، يناير 13، 2016

بعلبك، أمكنة متحوّلة تحت الشمس



بعلبك، أمكنة متحوّلة تحت الشمس

الأحياء والطبيعة والتحوّل والهوية


بعلبك في أذهان الناس من غير أهلها، تكاد تنحصر بأعمدة ستّة وآثار قديمة. واجهة سياحية أثرية ذائعة الصيت، أضيفت إليها مهرجانات دولية، ساحرة ومرموقة كما يُقال. يقصدها الناس من بيروت ليشاهدوا العروض العالمية على الأدراج وفي الهياكل. صورة عن البلد الرسالة وهمزة الوصل. لكن حال أهل المدينة يملأ سماءها بصخب يقول أشياء أخرى. 


أحشاء المدينة: الأحياء السكنية




يتوزّع الازدحام بين "رأس العين" وأحياء المدينة عبر شارع "بشارة الخوري"، لكنه لا يختفي تماماً، بل يخفّ أو يشتدّ تبعاً للمناطق التي يمرّ فيها وللأوقات التي يتغيّر خلالها.


أدخل الزواريب الفقيرة فتتبدّى بعض البيوت الحجرية، منها ما هو متداع وآيل إلى السقوط، ومنها ما انهار، ومنها ما يستعين بتدعيم اسمنتيّ ليصمد بكلفة أقل من كلفة هدمه وتشييد بناء جديد. الزواريب الضيقة المتعرّجة والنسيج المتضامّ يوّلدان شعوراً مباشراً بالألفة والطمأنينة. يغمر المكان نور، أو يخفّف حدّة الشمس ظلّ، أو يعمّه ظلام تخترقه الأنوار المنبعثة من نوافذ المنازل، فتُنير الطريق. تتابع الزواريب تعرّجها، تعكّر ألفتها بعض الأبنية المرتفعة بطبقاتها أعلى من قدرة الزاروب على حمل الألفة إليها. أبنية كانت أثناء تشييدها ملهى لنا، ندخلها بعد خروج عمّال البناء منها، نلتقط ما تيسّر من أخشاب وقطع حديد نبتكر منها ألعاباً غالباً ما تكون مؤذية. نبني عوالم ونخوض معارك بين الأعمدة والجدران. عند أحد المنعطفات يتّسع الزاروب بضعة أمتار، فيخلق مساحة ليلعب فيها أطفال الحي، أو لتركن بضع سيارات أعجب من قدرتها على بلوغ هذا العمق.

تتراءى بعض الحدائق من خلف المنازل برؤوس أشجار خضراء، أو تصاوين محاذية للطريق. إحدى الحدائق ذائعة الصيت، كانت تحوي في أقفاصها الكبيرة طواويس تملأ بصياحها الحارات المجاورة، وكلبين "دلماسيين" ليس في بعلبك غيرهما من هذا الصنف. كنّا أطفالاّ نقلّد صوت الطاووس، صيحةٌ يطلقها كلّ من يمرّ أمام الحسينية ولا يجد أحداً يلعب هناك، منادياً أترابه علّهم يلاقوه للعب. 


أثقل العمر ظهرَيْ صاحبَيْ الحديقة، فصارت مجرد حديقة. حدائق تتآكل سنة بعد أخرى بفعل البناء المتزايد. كأنما لا مفرّ من الرمادي والألوان الفاقعة، ألوان طلاء غزت الأسواق منذ سنوات، وغزت الجدران ساحقةً حسّ الناس بألوان التراب والطبيعة، تزهو تحت الشمس فتُكسب المدينة مظهراً جميلاً كانت عليه ذات يوم.



تمدّد المدينة: المجالات الطبيعية


المدينة ما تزال مقسّمة إلى أحياء بحسب العائلات والطوائف. يُخترق هذا التقسيم بقدر نزوح أبناء بعلبك إلى بيروت، ونزوح أهل القرى المجاورة ليملؤوا الفراغ الذي خلّفه من غادر. تلتقي الأحياء متجاوزة الفواصل في السوق وفي منتزه "رأس العين"، لتتسلّق سفح السلسلة الشرقية الأجرد بنياناً، لا يحكمه سوى مزاج البعلبكيين الهاربين من الاكتظاظ إلى السفح المشرف الذي كنّا نقصده صغاراً، في الصباح الباكر، من أجل بُصيلة "العُسَّيل" الجرديّة الصغيرة الحلوة المذاق. يتحوّل السفح شيئاً فشيئاً إلى أحياء تتربّص بالمدينة، لتنهار عليها ذات يوم شديد الثلوج أو غزير الأمطار.

تبدو بعلبك للناظر من الجُرد ساكنة مترامية الأطراف. لا شيء يضبط الأبنية، لا ناظم للكتل ولا للواجهات ولا للألوان ولا للاكتظاظ. بعلبك آخذة بالتحوّل من وداعتها، إلى بؤسها المتراكم كُتلاً بكلّ الاتجاهات. مكبّ النفايات العارم، بأدخنته المتصاعدة التي تخنق تحتها "تلة الكيّال"، ينافس بثقله حضور "تلّة الشيخ عبد الله". يحاول "برج الشمس"، المُزَجَّج القبيح، التطاول مع بضعة أبنية أخرى على هيمنة الأعمدة الستة في المشهد.

عند طرف المدينة الشمالي ما يزال "التل الأبيض" أبيضاً بتربته الكلسية، لكن المشهد هناك يشي بأن الأمر لن يطول على حاله. فهناك أيضاً يتوغّل البنيان 

*** 

لا ينجو من المشهد العام سوى اخضرار البساتين. هناك ما يزال الغزو خجولاً مقارنة بالمدينة، ولا تزال خطاه متردّدة بطيئة. تلك الطرقات المنبسطة والأحياء الصغيرة، أشدّ فقراً من أن تواكب الركب إلى الخراب، وأبطأ من أن تُسرع إلى مصير لا داعي لأن تستعجله. سرعة السير في الطرقات لا تتجاوز قدرة جرّارٍ زراعيٍّ قديم، يسير بين صفّين من أشجار الحور المتهادية غرباً نحو "نبع عدّوس". النبع الذي يروي أراضٍ زراعية واسعة، كان يقصدها البعلبكيون ليمضوا نهاراً بعيداً عن كلّ صخب وازدحام.





***

أوغل في الشمال الشرقي، عبر السهل الممتدّ حتى الأفق. أتجاوز "حي صلح"، تبدأ الطريق بالصعود والهبوط تبعاً للتلال الصغيرة هناك حيث كانت تنتشر كروم العنب والتين منذ خمس عشرة عاماً. أمّا اليوم فقد امتدّ البناء عميقاً محتلاً، يقضم مساحات واسعة منها. تهبط الطريق بين تلّتين، فيختفي من المشهد أيّ أثر لتمدّد المدينة. يستعيد المشهد كثيراً من صفائه على تخوم بلدة "نحلة". "الكروم" ثالث مجالات الصيد في بعلبك، مع "السهل" و"الجرد". صيد الطيور والكنوز، إذ كانت تنتشر مواقع التنقيب غير الشرعية عن الآثار. اكتشف أصحاب الأرض هناك أن باطن أرضهم أكرم من ظاهرها، فنخروها نخراً. وجدوا الكثير وهرّبوه وباعوه على مدى عقود طويلة. 


انتشر التنقيب عن الآثار في بعلبك، أيام الحرب الأهلية، حتى دخل حدائق المنازل. زاد إقبال الناس على التنقيب، ما قيل عمّا وجده البعض في مواقع لا تخطر ببال. يترافق ذكر التنقيب عن الآثار مع زراعة الأفيون الذي ملأ السهول وحدائق المنازل هو الآخر، من أجل مدخول إضافيّ. كانت حدائق الحارة منخورة بحفر تعد بالذهب، ومزروعة بسيقان خضراء طويلة، تتوجّها زهور زاهية تعد بالسائل المخدّر الثمين، إذ يقبض كهلٌ على شفرةٍ يجرّح الأجراس بتأنٍّ، وآخر موسم الأفيون يعد الصِّبْيَةَ بمجموعة من الخشخاش.



هوية المدينة: التحوّل والصمود 


أستجمع ما بقي لديّ من قدرة لأصعد "تلّة الشيخ عبد الله". أمرّ قرب آثار معبد عطارد. أصعد أطلال المدرّج الأثريّ، وصولاً إلى قمّة التلّة المشرفة على المدينة من كل أطرافها. تجد الأبنية بصعوبة بالغة موطئاً لأقدامها. أعمدة إضاءة الملعب الرياضي، مسلطة على المنشأة الغائرة تحت التراب في الجهة الشمالية الشرقية. الجرد المواجه آخذ في التقلّص، وبعلبك وحيدة فوق السهل. تتوجّس على مرتفعها، تترقّب الغزو الذي وصلت طلائعه.


تبدو بعلبك حادّة الملامح وليّنة الطباع. "هياكل" في الأدلّة السياحية. معلم مدهش في عيون السواح الآتين من بلدان تحاول سلب نسب الحجارة. "قلعة" على لسان أهل المدينة. حجارة لم يكتمل اقتلاع بعضها، فعبرت شك التاريخ تهزأ من استلاب بعض أحفادها.

المدينة الكبرى ذات يوم، تحوّلت إلى بلدة منتفخة بفقرها، مختنقة بفوضاها. الوطن لا يضمّها ولا يلفظها. لا يلتبس انتماؤها مع ذلك، ولا تتردّد في وجهتها. ولّت أيّام ازدهارها كمحجّةٍ لمحيطها، لكنها لم تنعزل عنه يوماً. ارتباطها بدولة ملتبسة الهوية، جعلها أكثر ثقة وأعمق اتصالاً بالمدن التي ترتسم فيها هوية المنطقة. واقفة ناحية الشام كبوابة مفتوحة لبيروت، إذا قرّرت يوماً أن تعود إلى الجذر الذي أتت منه. 

الشوارع الحائرة والمباني المتناثرة حيناً والمتكتّلة غالباً. المجالات الموزّعة في المدينة. أمكنة الناس، مغادرين أو وافدين، مقيمين أو مارّين أو زائرين. ترسم كلّها وجه المدينة بعينين غائرتين. لكن البصر لا يتوه ولا يخطئ وجهته. تستمرّ في زمن ليس فيه شيء منها. تتلمّس ما بقي من ملامحها، وإن مشوّهاً. تحاول أن تجد حيّزاً لاسمها في ساحاتها، وشكلاً لأحيائها وللمساكن فيها، لتستأنف السير قُدُماً. 

بين الذاكرة والنسيان تحيا بعلبك رغم كل الغزوات والمعارك. تسري برودة في أطرافها أو تنتابها حمىً شديدة، ثم تنتعش فتدبّ فيها الحياة بعد حين. تقاوم جحيم الأحياء. بينها وبين الدهر عقد، ينمو فوقها عصر وتنتفض عليه عصراً، لا هو يطمسها ولا هي تزيل آثاره.






الخميس، يوليو 23، 2015

بعلبك، أمكنة متحوّلة تحت الشمس.

بعلبك، أمكنة متحوّلة تحت الشمس.

المدخل والقلب والنزهة والتاريخ.

مدخل المدينة: حيّز وذاكرة

 السلسلتان الجبليتان تحتضنان السهل من جانبيه وتفسحان له المدى شمالاً ليتّصل بعمقه الطبيعي في سورية. تُثقل صدري وطأة امتداد شريط الأبنية الملاصقة للشارع، على طول الطريق إلى بعلبك. يختطف السهل نظري عبر الفجوات الصغيرة بين الأبنية. أحاول الابتعاد إلى الأفق كلّما تسلّلت عبر المجال فسحة غير مبنية، كاشفة بعض القرى.

 أمرّ بتلك الأبنية مستعجلاً الوصول إلى مدخل المدينة، لتطالعني أعمدتها الستة، فأطمئن لرؤيتها وأعرف أني صرتُ بين أهلي وناسي. لا أكاد ألمح العملاق ذي التيجان المزركشة، حتّى أنحرف بالسيارة يُمنة. أصعد التلة لألج الحيّ الذي كان ساكناً وادعاً ذات يوم، قبل أن يتحوّل إلى مدخل المدينة الصاخب، يُدخل إليها الناس كما الضوضاء والازدحام. المدخل الجنوبي الذي يربط المدينة الواقعة في طرف الوطن بالعاصمة، المركز المختزِل، المحتكِر والمحتكَر.
***
لم تعد زحمة السير في هذا الشارع محصورة بموعد دخول وخروج التلامذة من المدرسة هناك. لم تعد الطرقات الفرعية الصاعدة تصل إلى ما كان أكثر الأحياء هدوءً وحفاظاً على نسيجه القديم وانسيابه مع انحدار التلة، بل إلى حي شبه مهجور، "حي المسيحيين" في المدينة، التي راحت تخلو من مسيحييها.
       أمعن النظر في الأبواب فتطفو من تحت الصدأ ألوان الطلاء القديم. أكاد أرى ظلال الأبواب تتحرّك على الأرض، إذ أدخل خلف أحد أصدقاء الطفولة إلى منزله. أستعجل انتهاء أسئلة أهله وتحميلي السلام لأهلي. نبدأ لهونا في حديقة المنزل أو في إحدى غرفه ذات السقف المرتفع. أرى اليوم أحد الأركان المنهارة يكشف عن غرفة لم أدخلها. لا أعلم أين يسكن صديقي الآن. مضى دون أن يعلم، ربّما، أنه صار جزءً من هجرة وجزءً مفقوداً من ذاكرة.
 

قلب المدينة: ساحة السراي ورأس العين والقلعة

نزولاً إلى الشارع الذي يربط "القلعة" بمنتزه "رأس العين"، الازدحام يتلوّى مروراً "بساحة السراي"، ويتابع الاحتباس في كل شرايين السوق، ليكمل حلقته في شارع "عبد الحليم الحجّار" حيث ينفذ إلى الطريق الدولية المتجهة إلى الجنوب الغربي.
رداءة الطرقات ورداءة البناء، متلازمتان ظاهرتان عبر شوارع بعلبك. بؤس يلفّ المدينة، بفقرها المدقع، وبثراء بعض بيوتها؛ القديمة التي تبوح بأزمنة ازدهار أفلت مع ساكنيها، والمتفاخرة المتعالية التي تحدّث بنعمة مالكيها الطارئة.
***
ألتفّ في الطريق الصاعدة بهدوء نحو بناء يعود لما يقارب المئة العام. هكذا تنفتح "ساحة السراي" عن مجالٍ يهيمن عليه من الجنوب الشرقي بناء أبيض من عهد الانتداب الفرنسي، "السراي"، يضمّ الدوائر الرسمية لقضاء بعلبك، فترتبط به أحوال سكان المدينة وقراها. تنعقد عنده الطرقات القادمة من الأحياء السكنية شرقاً وشمالاً، ومن السوق جنوباً وغرباً. حركة السيارات محكومة بدوار لا يخفّف حدّته سوى جنح الظلام. "ساحة السراي"، قلب المدينة الفعليّ، تنطلق منها كل دورات الحياة في بعلبك. تبيع بعض النسوة نتاجهن الزراعي صباحاً في الزوايا، فيما تنتشر حول الساحة متاجر مختلفة ومقاه ومطاعم شعبية. بعض المكاتب المرتبطة بدوائر "السراي" تتمركز في الطابق الأرضي للبناء القديم، المطلّ بقناطره الثلاث شمال شرق الساحة. شمالاً تمتدّ طريق تربط الساحة بشارع "بشارة الخوري" الذي يخترق المدينة من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي، بموازاة الشارع الذي يربط "القلعة" بمنتزه "رأس العين". يمتدّ طريق شمال غرب الساحة ليصل إلى دار البلدية، ويتابع متعرّجاً داخل الأسواق الشعبية، مخترقاً بعض الأحياء السكنية حيناً ومحاذياً لها حيناً آخر، إلى أن يصل إلى "الجامع الأموي" شرقي "القلعة". تنحدر طريق أخرى جنوب غرب الساحة عبر "سوق الخضار" المكتظّ، حيث يرتفع بناء متعدد الطبقات يرزح تحت ظله السوق بكامله. تتفرّع ساحة جانبية في الشمال الشرقي، بمحاذاة مبنى "السراي"، تمتدّ منها طرقات فرعية تتغلغل في الأحياء السكنية وتتشعب، وطرقات أخرى تلتفّ جنوباً وتتسرّب باتجاه طريق "رأس العين".

       يجول نظري في "ساحة السراي" خلال ساعات النهار بكلّ الاتجاهات، فلا يقع إلا على سيارات عالقة في الازدحام أو مركونة في الأطراف. لكن حين تخبو حركة المحركات في ساعات النهار الأخيرة، تظهر ملامح الساحة مشبعة بتاريخ المدينة، حيث انصهرت كل أحداثه وتغيّرت كل أحواله. أمام السراي التي بناها الانتداب، قاوم الناس المستعمر، وعلى جدرانها، وتحت عيون حرّاسه علّقوا جرأتهم مناشير تندّد به. اجتمعوا واحتجّوا وتحلّقوا وتفرّقوا، قاتلوا ونالوا. بين المتاجر والمساكن، في الساحة والطرقات المتشابكة حولها نسجوا حياتهم، وراكموا تناقضاتهم، وخبّؤوا ذكرياتهم في كل "دروة" لا تطالها الريح فتنثرها.
***
تنطلق المسارات من "ساحة السراي". جانِبا الطريق إلى "رأس العين" أصبحا حليقين منذ ما يقارب العشرين عاماً. اختفى المنحدر الذي كان يتهادى من الشارع نزولاً إلى النهر، قُطِعت الأشجار الضخمة التي كانت تحضن الطريق بأغصانها الممتدّة كنفقٍ أخضر. أشجارٌ كانت تثير فينا ميلاً للتباطؤ بالسير تحت ظلالها، ودفئاً حين تتكسّر تحت أقدامنا أوراق الخريف. تحوّل النهر إلى مجرىً اسمنتيّ عميق، تسدّه النفايات فتُكرِه المياه الشحيحة على الزحف تحتها. تتزاحم السيارات في الشوارع بحثاً عن مقهى، أو عن فسحة يستعرض فيها سائق شاب قدراته البهلوانية، فيما ينسحب "الخوّام" بين أشجاره العتيقة من كلّ ما يدور حوله. لم يستطع الوزير السابق البعلبكيّ، أن يُعمِل منشار وزارة الأشغال بأشجار المنتزه قطعاً كما فعل بأشجار الطريق المعمّرات.
 
 ***
يبدأ النشاط في "رأس العين" قبل شروق الشمس مع عدد من سكان المدينة، يستهلّون نهارهم بالمشي أو الركض أو ركوب الدراجة الهوائية. يتحوّل المنتزه والطرقات حوله، إلى نادٍ رياضيٍّ كبير في الهواء الطّلق. تُنسَج الكثير من العلاقات المرتبطة بالمكان. تبدأ بسباق يرتجله أطفال على دراجاتهم الهوائية، أو بشربة ماء، أو بسلام يلقيه أحدهم على وجه يلتقيه كلّ صباح.  ينتهي النشاط الرياضيّ في المنطقة مع بزوغ الشمس لتبدأ دورة التنزه بين المرجة والمقاهي.
يمرّ من هنا كلّ الناس، يمكن أن تصادف أي بعلبكيّ دون استثناء، لا أحد يغيب عن "رأس العين" أسبوعاً كاملاً. يزدهر المنتزه في أيّام الفُرص ويزدحم أيّام الأعياد، يزحف إليه الناس من كل القرى فيعجّ بهم. بين "رأس العين" و"ساحة السراي" حبل سريّ. إنّهما يختزنان حياة المدينة وذاكرتها، ويضمران في وعيهما كل ما يحمل الزمن الآتي.
الطواف حول المنتزه وحول "بركة البيّاضة" منسكٌ من مناسك الحياة في بعلبك. لا يكون العشق بعلبكيّاً إذا لم يحفظ خارطة المكان. "البيّاضة" و"الخوّام" و"مسجد رأس الحسين" و"مفرق عمشكة" و"مفرق العسيرة"، هذه أجزاء الموقع. سعينا بينها فتملّكْنا المكان. شَعَرْنا أنّنا أعطيناه نكهتنا الخاصّة، حتى صار باحةً مشتركةً لمنازلنا.
 
 
تتنوّع المقاهي حسب الجو العام السائد فيها؛ منها "العائليّة" ومنها "الشبابيّة"، ومنها المخصّصة لكبار السن، حيث الكراسي الخشبية القديمة وألعاب "الورق" التي تمتدّ حتى منتصف الليل. منها المطلّة على الشارع، ومنها التي تحوي زوايا مستورة عن نظر المارّة. منها التي يتغيّر اسمها مع كل موسم، ومنها ما لا يتغيّر اسمها على ألسنة روّادها مهما تغيّر الاسم المكتوب على مدخلها، ومنها ما يُسمّى بكنية مالكها. أبرزها تلك التي تقدّم مشروبات كحولية دون أن تذكرها في لائحة المشروبات.
يفضّل بعض الشبان ابتكار جلسة خاصة على ضفة "بركة البيّاضة"، أو في سيارة مركونة على طرف الشارع. لكن "المرجة" تجذب العدد الأكبر من الناس، دون أن تتقاضى أجراً أو ثمناً. تمتدّ عليها البُسُط، وتُحضّر المأكولات، وتطول الجلسات.
***
"رأس العين" في طرف بعلبك المقابل "للقلعة"، تماماً عند سفح السلسلة الشرقية، دائرة تزخر بالمقاهي، قاب قوسين أو أدنى من الموقع الأثري السياحي العالمي، مكان يخلو من السواح. هنا يترفّه البعلبكي على مزاجه، لا يسمع لغات أجنبية، ولا يرى عيوناً مدهوشة، ولا وجوهاً احمرّت لشدّة الشمس. لا يصل شيء من بهرجة "مهرجانات بعلبك الدولية" إلى هنا. أوجدت المدينة مكاناً ليتنفّس أهلها، وحفظته مصوناً رغم الكثير من الأعمال الرعناء التي طاولته، من قطع الأشجار وتشويه النهر إلى زرع المرجة بكتل إسمنتية كروية ضخمة، وأعمدة إضاءة مخصصة للشوارع. كلها لم تنل منه حتى اليوم.
تتواصل الحركة حتى منتصف الليل تقريباً أيّام الصيف، تنشط كلّما انخفضت الحرارة، وتتحوّل إلى بعلبكية صرف في ساعات الليل، إذ يغادر سكان القرى ويستأثر سكان المدينة بالمكان. دفء الصيف يعزّزه دفء زيارة أبناء المدينة المغتربين، والنازحين إلى العاصمة. يعاينون ما تبدّل من أحوال، ويحاولون التمسّك بما دأبوا عليه قبل ابتعادهم. أجوب الطرقات متنقّلاً بين مواقع اللقاءات القديمة، أصطاد بعض الأصدقاء، ثم أعيا فأكمن في موقع، بانتظار صديق يتجوّل في المكان.
أما الشتاء في بعلبك فله هيبة وجلال. البرد القارس يُرغم الناس على التزام منازلهم، فلا ترى في رأس العين إلا قلّة ممن لا يستقيم نهارهم إلا بزيارته، أو من بعض من يغريهم الغطاء الأبيض أيام الثلج. أكثر ما أبهرني ثلج ذات ليلة بدت المدينة معه فضّية كأن البدر أضاءها. مياه النهر تتصاعد بخاراً كثيفاً من شدّة البرد. الشوارع في سكون تامّ لم يَشُبْه سوى سلامٌ ألقاه مارٌّ على والدي ليؤنسنا.
***
أتوجّه إلى "القلعة"، يواجهني جنبها جداراً أصمّا. بالكاد تظهر الأعمدة الستة بعيدة، الغبار الصاعد من أتربة الشارع يغشّي الرؤية. الجدار المرتفع يحاول ثنيي عن التقدم، هذا الجزء من المدينة مخصّص للسوّاح، لا شأن به للذي لا يندهش لضخامته ولا يسترزق من زوّاره. أقترب من "القلعة" مكابراً. أشعر بالاغتراب مع كل خطوة وسط باعة السبحات والكوفيات الذين يصرّون عليّ لأشتري، رغم شكري لهم بلهجة بعلبكية واضحة. الداخل إلى "القلعة"، عليه أن يلتفّ حول جدرانها في ممرٍّ مستحدثٍ ملتوٍ متعرّجٍ، كأنه يدخل الى حمام مطعم أخفاه المصمّم بخفر شديد، إلا أنه لا يستطيع أن يخفي المعابد العملاقة التي يفضي إليها.
ما زلت أحبّ تسلّق الأحجار العالية في "القلعة"، وأدمن الدوار الذي يصيبني حين أقف عند أقدام الأعمدة الستّة، وأرفع ناظريّ إلى تيجانها. الشمس الحادّة أيام الصيف، والحذر الشديد مخافة الانزلاق أيام الثلج. تبقى أجراس الأفيون المنقوشة، منذ أكثر من ألفي عام، عند مدخل معبد "باخوس"، أكثر ما يُشعرني بأن المعابد تخصّ بعلبك بالذات.
* * *


أسير في طريق جانبية حول "القلعة"، التي تبدو طفلة حالمة حين أنظر إليها مباشرة من محورها القديم. تفتح باحاتها للقادم من الشرق عبر درج عريض، فتنساب الفضاءات المتتالية وصولاً إلى معبد "جوبيتير". ألج الطريق حيث "ثكنة غورو"، التي تحوي فقراً مدقعاً يختبئ في جيب بؤس محبوك بثوب الفاقة، يحاكي جيباً آخر هو "مخيّم الجليل الفلسطيني" جنوب غرب المدينة. تمرّ الطريق جنوب غرب الثكنة القديمة ثم إلى شمال الغرب قرب "قبّة السعيدين"، أو "السعادين" كما يسمّونها، في قيظ وغبار الصيف كما في صقيع ووحول الشتاء. قلّما تصادف أحداً على هذه الطريق الموحشة. تمتدّ على طولها واجهة الثكنة الفرنسية القديمة، وقد سُدّت نوافذها بلبنات اسمنتية، تذكّر بنوافذ بنايات بيروت أيام الحرب. تتابع الطريق تقدّمها قرب مدخل أثريّ في السور القديم، غمره التراب، لا يظهر منه إلا متراً أو أقلّ. كل ذلك وسط نفايات متراكمة تحاصر الثكنة، وتعزل سكانها عن خضرة "البساتين" والفتها.
 
 
أيمّم وجهي شمالاً. السهل الممتدّ إلى الأفق يثير فيّ رغبة لإتّباعه ساكناً مطمئنّا. كأنّما أحد ينتظر رجوعي، أو كأنني أتيتُ من تلك الناحية من الأرض، فوصلتُ إلى بعلبك دون مشقّة عبور الجبل. تتلاشى المدينة تحت الظلال الطويلة ساعة الغروب. تمتدّ بضعة قرى على السهل، فيما تتسّلق قرى أخرى سفح السلسلة الغربية بخفر. بيوت منثورة تنتشر صعوداً. يصفو الجرد بعدها من أيّ عمران. أنظر إلى بعض الثلوج الصامدة حتى شهر تموز في أعالي الجبال، ترتسم القمم فوقها. خطٌّ واضحٌ يفصل السماء عن الأرض. سكونٌ لا يشوبه شيء من ضوضاء سفح المقلب الآخر، والساحل خلفه.
 
 
 
 
 
 
 

الثلاثاء، أكتوبر 16، 2012

معالم الأرض هيكل المدينة

قال لي ابو رأفت (ناطور الورشة الخمسيني الطيب القلب): نظرت إلى أرض جيراننا، الله أعلم تبلغ مساحتها اربع دنمات (مستعملا الدنم في تعبيره التلقائي الذي يعكس خلفيته كمزارع)، تابع قائلا: هل طمروها ورفعوها؟ هي أعلى من أرضنا، يقصد العقار التي تقوم عليه ورشة البناء التي يحرسها، كيف جعلوها بهذا الارتفاع؟؟
أجبته: ماذا في الأمر؟ الأرض هنا كانت منحدرة، هي جزء من تلة الأشرفية، والطريق ما زالت منحدرة كما ترى لكن الأراضي سويت بما يناسب الأبنية. طبعا لم يعد بالإمكان أن ترى التلة ولا أن تجدها حتى لو بحثت، فهي قد أزيلت ولم يبق منها سوى الشوارع المنحدرة.
فضحك ونظر إلى السقف قائلا: نعم، الآن فهمت، ما تقوله يبدو منطقيا ان كانت هذه الأرض التي يسمونها الأشرفية تلة.
تذكرت ما كتب إيطالو كالفينو في كتابه المدن الخفية عن مدينتين تمددتا حتى التقيتا وتداخلتا فأزالتا المراعي بينهما، وكيف التقى الرحالة الذي دخل المدينة ولم يجد طريقه للخروج منها، التقى براعي غنم فسأله في أي مدينة نحن؟ فأجابه الراعي: ان اغنامي تعرف الطعم ، هذا مرعى كذا

الأحد، أبريل 15، 2012

شريط شائك على الشريط البحري

بعد ان باءت كل المحاولات بالفشل، يبدو أن بلدية بيروت وجدت الحل الناجع لأولئك المارّة الهمجيون الذين يدوسون الشريط الأخضر في وسط الجادات العريضة. شعرت انني ثأرت لكل نبتة داسها همجيّ في المدينة حين رأيت الأسلاك الشائكة تمتدّ وسط الجادات فوق الشريط الأخضر فتجبر من يريد عبور الشارع أن يمرّ في المكان المخصّص. بهذه الطريقة المبدعة وجدت بلدية بيروت الحلّ، فالآن سيعاني كل من يتعدّى على خضرة المدينة من عقاب السلك الشائك، ستتمزق أيديهم وأرجلهم وتُسلخ جلودهم أحياء ان حاولوا تقصيف النبتات، شباناً كانوا أم شيبا أم أطفالاً، ان أتوا منكرهم نهاراً أم ليلاً سيعاقبون على الملأ ومباشرة دون تمهيل. ان الله شديد العقاب.




الجمعة، مارس 02، 2012

واقع الهلال والصليب










واقع الهلال فوق المئذنة والصليب فوق برج الجرس لا يشبه بشيء صورة التعايش والتآخي التي توحي بهما.

في وسط بيروت، وبعد صراع مرير وفضائحي مع الراحل رفيق الحريري، تم تشييد مسجد محمد الامين الثقيل الوزن والظل ساحقا محيطه ضمن دائرة يمتد قطرها مئات الامتار. أولى الضحايا كانت الاقرب اليه، الكنيسة المجاورة صارت قزما بعد أن كانت معلما لما يزيد عن قرن من الزمن. حين شُيّد المسجد المذكور ارتفعت قبّـته بمستوى برجي الكنيسة ثم علت مآذنه الأربعة السمجة فوق ذلك عشرات الأمتار بغطرسة وقحة ورعناء. اعتقد الراحل الحريري يومها أنه يوجّه رسالة قوية لأهل بيروت، ربما قصد أهل السنة، أن ها أنا عكس ما روّجوا أنني أعرقل تشييد المسجد، أبنيه لكم يسحق كل الآخرين لأنكم أسياد الساحة بلا منافس وأسياد المدينة وأسياد البلاد بأسرها، هكذا في لحظة طيش اعتقد أنهم سيسيرون خلفه كالنعاج وأن دهرا من القراءة لم يخلق فيهم شيئا من الوعي. ارتفعت تلك المآذن السمجة لتسحق الكنسية التي كانت معلم المكان كما اعتاد أن يسحق المعالم كما يسحق القمل بأظافره. لكن بعد رحيله ظهر ما كان قد استثاره في أهل تلك الكنيسة فانطلقوا في برج لكنيستهم يسابق المآذن لاختراق قبة السماء الوادعة.

صورة الصليب والهلال متقاربين ستعكس للمرة الأولى كل غطرسة وبلاهة الواقع. لأول مرة سينظر اليهما المارّة وهم يقولون أن كذا الواقع، ليس الصورة تصوّراً أحمقاً عن عيش مشترك، بل تظهير حقيقي لصورة البشاعة في الكره والحقد الدفين.


الأحد، ديسمبر 25، 2011

فوج اطفاء بيروت



مررت مساء قرب مركز فوج الإطفاء في بيروت قرب الملعب البلديّ، كان رنين جرس متحشرج ينطلق من المركز محاولا إنذار عناصر الفوج أن ثمة حريق في المدينة. التفتّ إلى الدرج المكشوف حيث كان بضعة رجال ينزلون بخطى متثاقلة وهم يرتدون ستراتهم ويكملون حديثاً بدأوه قبل انطلاق جرس الانذار.
لم يشبهوا بشيء أولئك الرجال الذين أراهم في الافلام الوثائقية على محطات تلفزيون الواقع التي تنقل وقائع مكافحة الحرائق في اميركا واوروبا و استراليا. الرجال الذين ينطلقون بسرعة وزخم واندفاع. بدا لي رجال فوج الاطفاء كأنما أطفأهم جرس الانذار المختنق، أو أنهم خنقوه لأنهم لا يملكون أن يطفؤوه.
ركب الرجال آليتين من الآليان المركونة. رأيتهم يقهقهون ويتبادلون النكات في إحداها، وقد كان أحد العناصر يجلس قرب السائق بقميصه الداخليّ ويمسك سترته في يده، سيرتديها في الطريق.
بعد أن بذل عنصر آخر جهدا فائقا ليفتح البوابة الحديدية أمام سيارة الاطفاء، انطلق الصهريج الأحمر وطلقاً صفيراً مدوياً لم يساعده ليفتح الطريق أمامه فأحد المواطنين كان يسدّ عليه الطريق بسيارته محاولا ركنها في مساحة صغيرة تبدو جنة لركن السيارة في بيروت. لم يتوقف عويل الصهريج الأحمر. بعد أن صار الطريق سالكاً اندفع في الشارع ولفح وجهي برياح إذ كان يشق الهواء أمامه وبقيت أحاول التذكر إن كنت لمحتُ أحد العناصر يدخن سيجارة أم انه قد خُيّل إلي.

السبت، أغسطس 20، 2011

ليمعن في استخفافه، أتحفنا نجدت أنزور في حلقة اليوم من "في حضرة الغياب" بمشهد في مقهى بيروتي في السبعينات تعلو أحد جدرانه صورة فيروز من ألبومها الأخير "إيه في أمل"، يا للإتقان!!

الجمعة، أغسطس 19، 2011

محمود درويش، بكامل غيابه

منذ توفّي محمود درويش تناوله الكثيرون بأعمال وأساليب مختلفة، معظمها كان بائسا، فأنا لم أرَ منها شيئا جدّيا سوى القصيدة التي كتبها تميم البرغوثي في ذكرى رحيله. لكنني منّيتُ النفس بعمل يستحقّ التقدير حين قرأت أن المخرج نجدت اسماعيل أنزور يحضّر لمسلسل يتناول حياة الشاعر، وصرتُ بانتظار رمضان لأشاهد العمل. وأتى رمضان لأكتشف أني كنت بانتظار خيبة أمل.

"في حضرة الغياب" يبدو عنوانا بديهيا للمسلسل، بديهيا إلى حدّ اعتقدتُ أنه اختير على عجلة لكسب الوقت والتركيز على العمل في الفترة القصيرة نسبياً لعمل من هذا النوع كما قيل، فماذا في العمل؟

يبدأ المسلسل من حيث تبدأ رحلة نهاية محمود درويش، يبدأ بحالة من التفجّع المستمر وقصة حب سقيمة مع "رهف"، فتلوح بشائر التردّي من الحلقة الأولى. محمود في شرود أبله بسبب الأخبار الطبية السيئة، "رهف" في دلع وانشداه وطبيب يلاحق رهف بمراهقة سمجة، وقصة الافلام العربية اياها، لا يوجد اثنان يتبادلان الحب، كلٌّ يحب من لا يحبه، وعقد لا تنتهي وخفايا يمكن ان تتوضّح بكلمة واحدة لكن أحداً لا ينطقها.

يغفو محمود في الطائرة فننتقل إلى طفولته بأسلوب مستهلك. تطول حقبة الطفولة عدة حلقات حتى خلت أن لا شيء يستحق الذكر في حياة درويش فقرر الكاتب والمخرج أن يحشوا ما أمكنهما من حلقات في الطفولة.

يختفي محمود الطفل ليظهر وقد اكتملت رجولته وانخرط في العمل السياسي والكتابة وصار معروفا وله دائرة أصدقاء من الشعراء والمثقفين دون أن نرى شيئا من شبابه الأول ومراهقته، ربما لأن الطفولة احتلت الوقت أو أن تلك الحقبة من حياة الشاعر جزء من سرّ مكتوم.

الكل حول محمود يرددون قصائده كطلاب "يسمّعون" الدرس "كرجة مي" ومحمود في انشداه وذهول دائمين، كأنما تسيطر عليه حالة صدمة دائمة. وبالطبع هناك "ريتا" التي لا شغل لها سوى أن تلتقي بمحمود وهي في هيام رومنسي ومجابهة ابن عمها "شلومو" الحقير العنصري ذات الشخصية الصبيانية، والذي يطاردها بصفاقة وجهل مطبقين مع أنه ذا رتبة في الموساد كما أشار المسلسل. ثم نراه فيما بعد يقوم بتنفيذ اغتيال غسان كنفاني في تطوير درامي رهيب يؤكّد حقارته وخسّته. محمود يُسجن ويخرج من السجن ويكتب قصائد ويلتقي ريتا، هذا كل ما يمكننا أن نراه، ولا أحد يحتاج المسلسل ليعرف هذا عن محمود.

ينتقل محمود إلى موسكو فنكتشف أنه نسونجي، ثم إلى مصر، نسونجي أيضأ، وشخصيته ما تزال هزيلة ركيكة ولا يظهر شيئاً من حياة درويش سوى غرامياته وعلاقته بمشاهير العرب ومثقفيهم، ودروس التسميع مستمرة. ثم يترك مصر ويتركنا في ظمأ لحياته في مصر، لكن التطور الدرامي واضح، صرنا نعلم من هي رهف ومن أين أتت! هي على ما يبدو ابنة نجلاء، مغامرته المصرية، التي أنقذ حياتها، يا للدراما.

تمهيداً للانتقال المفاجئ إلى بيروت يتحفنا المخرج ببعض التمثيل المفتعل على الطريقة اللبنانية، فنرى مثلا درويش يلتفت كأنه تلقّى صفعة حين يرنّ الهاتف، ثم نكتشف ما يبرّر هذا الانفعال بأهمية المخابرة الهاتفية ونفهم أنه "قلبه حسه هالتلفون مش لخير" .من جهة أخرى، ومداراة ربما للقيم المجتمعية وتغيّر العصر، يحرص المخرج على تستير سيقان الممثلات اللاتي يرتدين "الميبني جوب"، أي التنورة القصيرة الدارجة أيام السبعينات، فيرسل من تحت التنانير سراويل لاصقة ملونة بألوان "فاقعة" في مشهد هزلي.

انتهت حلقة الليلة من المسلسل بنفس درجة الميوعة الدرامية، وهذا كله غيض من فيض. يذكرني العمل بالمسلس الكارثي الذي تناول حياة نزار قباني وبالمسرحية الرحبانية المهزلة التي تناولت حياة أبو الطيب المتنبي. إيه محمود درويش، سأنتظر غيابك الليلة القادمة.

الأحد، فبراير 13، 2011

لا ثورة في بيروت

هل سياتي دور الحريري وبري وجنبلاط و الجميل وجعج ومن لف لفيفهم لمحاكمتهم على سرقة المال العام من اجل استعادة هذا المال ام سيستمر الكلام عن هدر المال العام كانه ذهب الى البحر وليس الى جيوبهم؟ وهل سيستمر الحزب الشيوعي اللبناني بالبحث عن مخارج مسرحية لازمات النظام ام انه سيعود الى موقعه الثوري التقدمي؟ الم ير هذا الحزب، فيما يتشدق بالحديث عن السلطة بشقيها، انه هو الاخر صار جزءا من النظام اللبناني الطائفي الفاسد؟
الا يرى الحزب الشيوعي اللبناني انه صار الجزء الاكثر ميوعة وبلادة في هذا النظام؟ هل يدرك الشباب اللبناني ان بامكانه ان يطلق التغيير في البلد رغما عن انف المتمسكين بكراسيهم وثرواتهم ورغما عن انف القابعين في ميوعتهم واوهامهم؟
هل سنتظاهر في بيروت من اجل نسف الدستور والطائف؟

الجمعة، ديسمبر 17، 2010